سيد قطب
2872
في ظلال القرآن
ألا إنها لعظيمة لا يكاد الإدراك يتصورها . وهو يعلم أن هذه الأرض ومن عليها وما عليها إن هي إلا ذرة صغيرة زهيدة بالقياس إلى تلك الأفلاك الهائلة . وما الأفلاك وما فيها ومن فيها إلا بعض ملك اللّه الذي قال له : كن . فكان ! « هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ » . . ونور اللّه واحد متصل شامل ؛ وما عداه ظلمات تتعدد وتختلف . وما يخرج الناس من نور اللّه إلا ليعيشوا في ظلمة من الظلمات ، أو في الظلمات مجتمعة ؛ وما ينقذهم من الظلام إلا نور اللّه الذي يشرق في قلوبهم ، ويغمر أرواحهم ، ويهديهم إلى فطرتهم . وهي فطرة هذا الوجود . ورحمة اللّه بهم وصلاة الملائكة ودعاؤها لهم ، هي التي تخرجهم من الظلمات إلى النور حين تتفتح قلوبهم للإيمان : « وَكانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً » . . ذلك أمرهم في الدنيا دار العمل . فأما أمرهم في الآخرة دار الجزاء ، فإن فضل اللّه لا يتخلى عنهم ، ورحمته لا تتركهم ؛ ولهم فيها الكرامة والحفاوة والأجر الكريم : « تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ ، وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْراً كَرِيماً » . . سلام من كل خوف ، ومن كل تعب ، ومن كل كد . . سلام يتلقونه من اللّه تحمله إليهم الملائكة . وهم يدخلون عليهم من كل باب ، يبلغونهم التحية العلوية . إلى جانب ما أعد لهم من أجر كريم . . فيا له من تكريم ! فهذا هو ربهم الذي يشرع لهم ويختار . فمن ذا الذي يكره هذا الاختيار ؟ ! فأما النبي الذي يبلغهم اختيار اللّه لهم ؛ ويحقق بسنته العملية ما اختاره اللّه وشرعه للعباد ، فيلتفت السياق التفاتة كذلك إلى بيان وظيفته وفضله على المؤمنين في هذا المقام : « يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْناكَ شاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً ، وَداعِياً إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِراجاً مُنِيراً . وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيراً . وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ وَدَعْ أَذاهُمْ ، وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا » . . فوظيفة النبي - صلّى اللّه عليه وسلّم - فيهم أن يكون « شاهِداً » عليهم ؛ فليعملوا بما يحسن هذه الشهادة التي لا تكذب ولا تزور ، ولا تبدل ، ولا تغير . وأن يكون « مُبَشِّراً » لهم بما ينتظر العاملين من رحمة وغفران ، ومن فضل وتكريم . وأن يكون « نَذِيراً » للغافلين بما ينتظر المسيئين من عذاب ونكال ، فلا يؤخذوا على غرة ، ولا يعذبوا إلا بعد إنذار . « وَداعِياً إِلَى اللَّهِ » . . لا إلى دنيا ، ولا إلى مجد ، ولا إلى عزة قومية ، ولا إلى عصبية جاهلية ، ولا إلى مغنم ، ولا إلى سلطان أو جاه . ولكن داعيا إلى اللّه . في طريق واحد يصل إلى اللّه « بِإِذْنِهِ » . . فما هو بمبتدع ، ولا بمتطوع ، ولا بقائل من عنده شيئا . إنما هو إذن اللّه له وأمره لا يتعداه . « وَسِراجاً مُنِيراً » . . يجلو الظلمات ، ويكشف الشبهات ، وينير الطريق ، نورا هادئا هاديا كالسراج المنير في الظلمات . وهكذا كان رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - وما جاء به من النور . جاء بالتصور الواضح البين النير لهذا الوجود ، ولعلاقة الوجود بالخالق ، ولمكان الكائن الإنساني من هذا الوجود وخالقه ، وللقيم التي يقوم عليها الوجود كله ، ويقوم عليها وجود هذا الإنسان فيه ؛ وللمنشإ والمصير ، والهدف والغاية ، والطريق والوسيلة . في قول فصل لا شبهة فيه ولا غموض . وفي أسلوب يخاطب الفطرة خطابا مباشرا وينفذ إليها من أقرب السبل وأوسع الأبواب وأعمق المسالك والدروب !